الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

36

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأعيد لفظ يَوْمَ على طريقة الإظهار في مقام الإضمار وإن كان ذلك يوما واحدا لبعد ما بين المعاد ومكان الضمير . والتشقق : التفتح بين أجزاء ملتئمة ، ومنه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] . ولعله انخراق يحصل في كور تلك العوالم ، والذين قالوا : السماوات لا تقبل الخرق ثم الالتئام بنوه على تخيّلهم إياها كقباب من معادن صلبة ، والحكماء لم يصلوا إلى حقيقتها حتى الآن . وتشقّق السماء حالة عجيبة تظهر يوم القيامة ، ومعناه زوال الحواجز والحدود التي كانت تمنع الملائكة من مبارحة سماواتهم إلا من يؤذن له بذلك ، فاللام في الملائكة للاستغراق ، أي بين جمع الملائكة فهو بمنزلة أن يقال : يوم تفتح أبواب السماء . قال [ تعالى ] : وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً [ النبأ : 19 ] ؛ على أن التشقّق يستعمل في معنى انجلاء النور كما قال النابغة : فانشق عنها عمود الصبح جافلة * عدو النّحوص تخاف القانص اللّحما وحاصل المعنى : أن هنالك انبثاقا وانتفاقا يقارنه نزول الملائكة لأن ذلك الانشقاق إذن للملائكة بالحضور إلى موقع الحشر والحساب . والتعبير بالتنزيل يقتضي أن السماوات التي تنشقّ عن الملائكة أعلى من مكان حضور الملائكة . وقرأ الجمهور تَشَقَّقُ بتشديد الشين . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الشين . والغمام : السحاب الرقيق . وهو ما يغشى مكان الحساب ، قال تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ تقدم في سورة البقرة [ 210 ] . والباء في قوله : بِالْغَمامِ قيل بمعنى ( عن ) أي تشقق عن غمام يحفّ بالملائكة . وقيل للسببية ، أي يكون غمام يخلقه اللّه فيه قوة تنشقّ بها السماء لينزل الملائكة مثل قوة البرق التي تشق السحاب . وقيل الباء للملابسة ، أي تشّقّق ملابسة لغمام يظهر حينئذ . وليس في الآية ما يقتضي مقارنة التشقق لنزول الملائكة ولا مقارنة الغمام الملائكة ، فدع الفهم يذهب في ترتيب ذلك كلّ مذهب ممكن .